مراسلة الحروب تانيا مهنا
كتبهاناصر الدعيسي ، في 11 نوفمبر 2007 الساعة: 18:57 م
التغطية الميدانية تلغي التصنيف والأفكار المسبقة معتبرة أن المسؤولين في المحطات اللبنانية يعرفون أن الحروب تبدأ ولا تنتهي

لم تتوقف مراسلة «المؤسسة اللبنانية للارسال» (ال بي سي) تانيا مهنا خلال 18 عاما عن العمل لتغطية الاحداث الساخنة. في كل مرة كانت تحسب انها شهدت ذروة الاحداث. وما سيلي سيكون اقل سخونة. لكن يبدو ان نسبة السخونة، سواء في لبنان او في المنطقة تتجه الى ارتفاع مستمر، ما يعني ان مهنا ستبقى في دوامة تغطية الحروب التي بدأتها من لبنان الى العراق فأفغانستان، الى جانب العمل اليومي على تحقيقات وتقارير تتعلق بالانسان وحقوقه رجلا كان او امرأة او طفلا. «الشرق الأوسط» حاورت تانيا مهنا وفي ما يلي نص الحوار.
> كيف أصبحت مراسلة؟
- كانت الحرب الاهلية في مرحلة بشعة، عندما تخرجت في الجامعة. ولأنني متمكنة من اللغتين الانجليزية والفرنسية، اضافة الى العربية بدأت العمل في «المؤسسة اللبنانية للارسال» (ال بي سي) في قسم الدوليات والترجمة. ساعدني اني تخصصت في العلوم السياسية ولم ادرس الاعلام. كنت احلل ما يدور حولي ولا أكتفي بنشر الخبر. ولأنني فضولية واحب ان انقل معاناة الناس. سعيت الى ان أصبح مراسلة. كنت ارافق المصورين الى مواقع التغطية. جربت ان اتعلم كل شيء بمفردي. كانت تشجعني اوكتافيا نصر، آنذاك كانت لا تزال تعمل في «ال بي سي». تعلمت المونتاج وانا اراقب كيف يعمل المخرج طوني قهوجي. تعلمت من الرواد في ميادينهم.
> كيف كانت البدايات؟
- بدأت مع احد مصوري nbc في لبنان ميلو حنين. كنت اعمل معه من دون تعاقد. نحضر مواضيع لمحطات اجنبية. هكذا بدأت وساعدني موضوع اللغات في ما يتعلق بالمقابلات. عندما انتقلت اوكتافيا نصر من «ال بي سي» الى «سي ان ان» وتولت وظيفة منتجة اخبار في اطلنطا، عرض علي بيار الضاهر ان أصبح مراسلة لـWorld rapport CNN اي ان اصبح مراسلة «ال بي سي» لدى «سي ان ان» وذلك لاجادتي الانجليزية. قدم ترشيحي ودعمتني اوكتافيا. وافقت ادارة «سي ان ان» وذهبت الى اطلنطا لمتابعة دورة تدريب استمرت اربعة أشهر. بعد ذلك عدت من عملي في الدوليات الى جانب عملي الجديد. عام 1992 انتقلت الى دوام كامل في الاخبار كمراسلة.
في تلك الفترة عدد المراسلين لم يكن كبيرا، فلم يكن على الساحة الاعلامية اللبنانية والعربية هذا العدد من المحطات التلفزيونية. في تلك المرحلة برز عمل المراسلين بشكل لم يكن المشاهد قد تعوده في لبنان. غطينا في مطلع التسعينات ثورة الدواليب والانتخابات النيابية واحداث الجنوب ابان الاحتلال الاسرائيلي وغيرها من الاحداث.
> ماذا اعطت التغطية الميدانية تانيا مهنا الخارجة من بيئة الحرب الاهلية في لبنان؟ - تغيرت نظرتي الى الامور. فنحن ندخل البيوت ونتحدث الى ساكنيها. نكتشف انه انسان بمعزل عن انتمائه وطائفته وحزبه. نلغي التصنيف والاحكام المسبقة.
وبما اني ابنة بيئة عرفت كيف تلتف على الطوائف وتنفتح على اصدقاء من كل المناطق اللبنانية لم اجد صعوبة في قبول الآخر. لكن يبقى الانطباع الاهم الذي يخرج به المراسل في لبنان. وهو ان اللبنانيين من كل الجهات وانماط التفكير لهم الحق في العيش معا. لا أحد وطنيا أكثر من الآخر ولا أحد خائنا أكثر من الآخر.
> هل تعتبرين ان الاعلام قادر على صنع الفتنة في لبنان؟
- أكيد. الاعلام يصنع الفتنة عندما يشجع على العنف، عندما تقوم الوسيلة بتعبئة معينة من دون النظر الى الحقائق. بعض الوسائل الاعلامية لا تسعى الى التأكد اذا كان الموضوع صحيحا ام غير صحيح. المهم ان يخدم خطه السياسي. لنأخذ تصريحا لأحد السياسيين، نجد ان التصريح ذاته في محطة ما هو عكسه في محطة أخرى.
> ربما ليست مسؤولية الصحافي وانما هي سياسة المحطة. ماذا يملك الصحافي حينها ان يفعل؟
- لا يحق للصحافي ان يستنسب في تصريح او كلام رسمي. عليه ان ينقل خلاصة الكلام. لا استطيع كصحافي ان انصب نفسي قاضيا. بعض الاعلاميين ينصب نفسه قاضيا.
> هل هو الميل السياسي ام قلة الخبرة؟
- ربما هو التهاون. فالواضح ان عدد الاعلاميين المتهاونين والمفتقرين الى الدقة في تغطيتهم أكبر من عدد الاعلاميين الموضوعيين والمهنيين الذين لا يتهاونون في الدقة.
> بداياتك كانت مع الدوليات، اي كنت تعملين في الستديو، ثم نزلت الى ميدان التغطية. ما هو الفرق بين الموقعين؟
- التغطية تعني ان تعيشي كل يوم شيئا جديدا وتكتسبي خبرة جديدة. تتعلمين فن الاستماع وتبنين معرفتك. ومع الوقت تتحسن التغطية. فنحن نتعلم من اخطائنا. ونعرف ان عملنا يتطلب البحث الدائم عن المعلومات. عندما انهي اي ملف. افكر دائما: أي سؤال لم أسأله؟
> هل تجدين ان العلاقة بين المراسلين من مختلف الوسائل الاعلامية لها خصوصيتها اثناء التغطية؟ وما هي ميزات هذه الخصوصية؟
- فعلا تنسج اللقاءات خلال التغطيات المتواصلة للاحداث علاقة زمالة متينة، لا يعرفها الا المراسلون الذين ينتقلون من مكان الى آخر. فهم يساعدون بعضهم بعضا. وتحديدا في صفوف العاملين في المؤسسات المحلية الصغيرة الذين يعملون بإمكانات محدودة وبنظرة مختلفة وأقرب الى الموضوعية. في حين تنعدم هذه النظرة لدى مراسلي المحطات الكبيرة الذين لا يتعاونون ولا يتبادلون المعلومات، وذلك لأن السائد بينهم هو تضارب المصالح.
> هل يتعلق الامر بوسائل اعلام غربية وعربية؟
- هذا موضوع مختلف. عندما يكون المراسل ملما بلغة المنطقة التي يغطيها، يملك مقاربة للامور افضل مما يملك مراسل لا يجيد لغة المنطقة. فالاحتكاك المباشر مع الموضوع والناس هو غير الاعتماد على المترجم. كذلك تدخل على الخط القناعات المسبقة التي قد يملكها الاجنبي حيال ما يحدث في منطقتنا.
> هل انت مصابة بـ «فيروس التغطية»؟
- فعلا. عندما يصاب المراسل بهذا الفيروس يدخل في دوامة التفاصيل الدقيقة لكل ما يدور حوله. كلمة او حادثة او ما شابه امور تكفي للغرق في البحث على الارض وعبر الانترنت عن المعلومات. عندما نأخذ علما بشيء ما يجب ان نعرف أكثر.
> ماذا عن الخطر؟
- حتى الخطر يعيشه المراسل بطريقة مختلفة. يصبح خبيرا عسكريا بشكل من الاشكال. عندما اذهب الى ساحة الحدث استطيع من مشاهداتي ان احدد الوقائع الاولية لما جرى. وعندما اطلب معلومات من احد المسؤولين بامكاني مناقشته في التفاصيل من خلال الملاحظات التي جمعتها من ساحة الحدث. هذه امور يكتسبها المراسل بالخبرة.
> لكن تغطية الاحداث اصبحت مرادفة لخطر استهداف الصحافيين. كيف تتعاملين مع الامر؟
- عندما يحصل ما يستحق التغطية، ردة فعلي الاولى تكون: يجب ان اذهب. غالبا ما اتكل على الحظ، ولكن بعد دراسة سريعة للوضع. عندما اشعر بامكان مقبول للتحرك اخاطر. ويبقى ان لا قاعدة عامة وانما توازن حسب الظرف.
> تجربة الحرب على افغانستان ميزت مسيرتك المهنية لكنها دفعتك الى كبح اندفاعك. ما الذي حصل؟
- عندما بدأ نظام طالبان يتداعى كنت في شمال باكستان. علمنا ان مدينة جلال اباد سقطت في ايدي قوات التحالف. حاولت مع المصور الدخول الى افغانستان مع عائلة عبد الحق، احد قادة المجاهدين الذي كان قد قتل اثناء محاولته تجميع القبائل لمواجهة طالبان. زورنا تأشيرات دخول وتحركنا في قافلة مع العائلة وبعض المراسلين الاجانب من دون اذن السلطات الباكستانية. آنذاك كانت والدتي تتصل بي دوما لتطمئن عليّ. لم أخبرها بدخولي افغانستان، أوهمتها اني سأكون في منطقة لا ارسال فيها لتهدئة بالها. ونسيت اني سأكون اغلب الوقت على الهواء مباشرة. المهم دخلنا وكانت "الاثارة" في انتظارنا. انضم مسلحون الى القافلة واعترضنا مسلحون آخرون. وانتقلنا تحت وابل من الرصاص في بعض الاحيان. واخيرا وصلنا جلال أباد ونقلنا ما يجري. التغطية مباشرة على الهواء بالعربية وضعتنا في مأزق مع اهالي جلال أباد الذين كانوا يعانون من «العرب الافغان». لذا انهيت رسالتي بسرعة وشرعت اتكلم مع الآخرين بالانجليزية. ابلغني المراسلون الذين رافقونا انهم قرروا التقدم باتجاه اسلام أباد. فكرنا في الامر، لكننا قررنا العودة. نحن رجعنا وهم قتلوا ونهشت الكلاب جثثهم. ووالدتي تتابع هذه الاخبار مباشرة عبر «ال بي سي». وما ان اتصلت بها حتى بادرتني بالبكاء. فكرت كم كان حظي جيدا. لكن هل كنت املك الحق بإخضاع عائلتي الى تجربة كهذه؟ ماذا لو كنت مكان الصحافية الاجنبية التي قتلت لانها تابعت الى اسلام اباد؟ منذ ذلك الحين قررت العودة الى لبنان لانسى هذه الصدمة. شعرت بأن القدر اعطاني اشارة عليَّ الا اتجاهلها. التقطتها لانظر الى عملي بشكل اوضح. فأحافظ على اندفاعي مع مزيد من التفكير ومن دون تهور.
* سيرة ذاتية
* تملك الاعلامية في «المؤسسة اللبنانية للارسال» (ال بي سي) تانيا مهنا موهبة اضافة تفاصيل غنية الى خبر عادي، وذلك من خلال تغطيتها الميدانية لكل الاحداث التي تتولاها. مهنا ذهبت الى الصحافة ليس لأنها تريد ان تحكم على الناس وانما لتدافع عنهم. لطالما ارادت ان تدرس المحاماة، الا انها وجدت في الصحافة مكانا لتحقيق ما تريد. وتجعل صوت الآخرين مسموعا.
تغلب البساطة على اسلوبها في الظهور امام الكاميرا. والسبب كما تقول: «نحن ثلاث بنات وولد في العائلة. انا الكبرى. منذ صغري كنت اعرف ان شقيقتيّ جميلتان أكثر مني. لذا قررت ان اعمل على عقلي. هما لديهما الطلة الجميلة التي تعطي رصيدا. انا ماذا يميزني عن غيري؟ اكتشفت عقلي». وتؤكد ان الامر لم يسبب لها اي عقدة. «والدتي اعطت كل منا حقه ودوره في العائلة. كما انني انتمي الى عائلة نساء لديهن شخصيات قوية وذكاء استثنائي».
تقول تانيا انها ستتقاعد عندما يعجز جسمها عن اللحاق بجهوزيتها المهنية. «هذه مهنة لا يعمر فيها الا الذين يتمتعون بصحة جيدة. حينها تتكثف اهمية المراسل الذي يكتسب خبرة استثنائية تكرسها السنوات. لذا عندما تخوننا الصحة نحاول ان نعطي الصحافيين الجدد خبرتنا ليختصروا المسافة. نحن تعلمنا من الذين سبقونا. ومن يجيد الاستفادة من خبرة الآخرين يكون اعلاميا ناجحا».
لا وقت لديها للزواج والعائلة، وتحديدا لانها مراسلة حربية. السياسة ترتاح آخر النهار اما الحرب فلا. وحتى يستطيع المراسل ان يبرع في هذا العمل سيكون نجاحه على حساب حياته الخاصة. تقول: «احيانا اندم. ولكن من ناحية أخرى انا لا استطيع تأسيس عائلة وترك اطفالي مثلا لتغطية احدى الحروب».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 11th, 2007 at 11 نوفمبر 2007 8:37 م
العمل هواية قبل كل شيء ثم صدق وجدية ومثابرة واستثمار تراكم الخبرة في مناخ يتيح كل ذلك ..
تحياتي