هيكل .. ذاكرة مصرية تلد أخرى
كتبهاناصر الدعيسي ، في 12 مارس 2007 الساعة: 06:07 ص

ذات مرة، وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل الزعيم الإيراني الراحل آية الله الخوميني بأنه (رصاصة انطلقت من القرن السابع الميلادي إلى القرن العشرين)، وهو وصف يقترب من شخصية هيكل المولع بالأخبار والمعلومات من مصادرها الأولى، وكان الأستاذ ذهب إلى باريس للقاء رجل الدين الغاضب على حكم الشاه، مدركاً أنه أمام صيد صحفي ثمين، فقد يزلزل هذا الزعيم المعمم عرش أسرة بهلوى في طهران، مواصلاً ما انقطع من ثورة مصدق في الخمسينيات، والتي شاهدها هيكل عن قرب، وكتب فصولها الدامية.
فلم يكن غريباً على هيكل أن يعرف ما سوف يجري بعد ذلك في إيران، فلقد أراد منذ باديته الأولى في بلاط صاحبة الجلالة، أن يواصل البحث عن الحقيقة في مصادرها الأولى، وليس نقلاً عن رواة، فعندما أتيحت له فرصة تاريخية لتغطية معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية، قرر أن يغتنم الفرصة، وهناك أصر على أن يعرف ويشاهد، ويسمع بنفسه، لينقل الحقيقة إلى القراء.
كان هيكل قد ولد قبل هذه المعركة، التي دارت على أطراف مصر الشمالية بتسعة عشر عاماً، وفي نفس السنة التي ولد فيها أول دستور مصري هو دستور عام 1923، وكأن مصر كانت على موعد مع حدثين مهمين هما الدستور وهيكل.
وإذا كانت معركة العلمين، ثم تغطيته ثورة مصدق في طهران، والاقتراب من حرب شبه الجزيرة الكورية، وسعت من مدارك الصحفي الشاب في ذلك الوقت، فإن لقاء (الحظ) كان مع الضابط الشاب جمال عبد الناصر في فلسطين في معركة الفالوجا، فهناك اقترب الرجلان، ليصبحا، بعد سنوات قليلة من أبرز الشخصيات العالمية، ليشعر هيكل بأن القدر رسم له خطاه حيث يجب، مصادر المعلومات المباشرة، والاشتراك في صياغة ثورة فتية، انتظرها المصريون 70 عاماً.
ويعترف هيكل بان لقاءه مع عبد الناصر قبل الثورة هو الذي أتاح له فرصة أن يعبر عن مواهبه، لينقل الصحافة المصرية من المحلية إلى الاعتداد به عالمياً.
وعندما التحق بمؤسسة الأهرام في أغسطس 1957 لم يتوقع احد أن يجعلها في غضون سنوات قلائل واحدة من عشر صحف عالمية آنذاك، ولم يكن ذلك نتيجة اقترابه من عبد الناصر فقط، إنما لرؤية هيكل التي تعلمها في مدرسة الوطنية المصرية، التي كانت مشرعة النوافذ والأبواب طوال الأربعينيات والخمسينيات.
فهو لم يقم بنقل الخبرات الصحفية من المدارس العالمية الأخرى فقط، ذهب أبعد من ذلك عندما ضم كوكبة لامعة من المثقفين والسياسيين المصريين للكتابة بحرية على صفحات الأهرام أمثال توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ولويس عوض، وبنت الشاطئ، ويوسف إدريس، ولطفي الخولي، ورشدي سعيد، وبطرس بطرس غالي، وغيرهم من الكتاب والمحللين.
إن رجلاً بحجم محمد حسنين هيكل، ليس نتاج عبقرية فردية، مع الاعتداد بها، إنما هو ابن جماعة ثقافية وسياسية أرادت أن تواصل ما بناه الأسلاف، نجحوا أحياناً وأخفقوا أخرى، لكنهم ظلوا يواصلون الطريق.
وهيكل ليس بعيداً عن هذه الجماعة، أنما هو في القلب منها، وفي بعض الأحيان كان (المايسترو) الذي يقود السمفونية، فلا يجوز أن يتخلى عن الدور، وخوض المعارك، وقد ولد صحفياً ومؤرخاً وسياسياً في قلب هذه المعارك، وهو من يقول (ليس هناك ما هو أخطر من حالة حرب توقفت دون نهاية حاسمة) وقرار الأستاذ هيكل اعتزال الكتابة هو توقف معركة دون نهاية حاسمة، ففي الوقت الذي أتيحت فيه المعلومات، وهو سيدها بلا منازع، نراه يقرر (إجبارياً) أن يعتزلنا، وعلى أطرافنا عاد (الاحتلال) الذي يحتاج إلى معركة جديدة قومها أن يكون محمد حسنين هيكل بقلمه وكشفه للحقائق في القلب منها، وان الثمانين ليست إلا بداية، وحسبما يقول هيكل إن (أذكى الرجال في السياسة هم الذين يستطيعون فهم حركة التاريخ).
مهدي مصطفى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























