القدس العربي اللندنية تنشر دراسة محمد الاصفر عن كتاب (النزف عد الغائب)
كتبهاناصر الدعيسي ، في 28 مايو 2008 الساعة: 16:21 م
- محمد الاصفر
الحياة تجربة وكل إنسان يحب أن يطرح تجربته علي الغير أو يحتفظ بها في نفسه فلا ينتجها كتابة أو رسما أو غناء .. الخ من فروع الفن والأدب .. ومن يحب طرح تجربته علي الغير فهنا سيجد نفسه في موقف محيّر .. سيجد نفسه كاذبا بعض الشيء .. حيث أنه لدواعٍ اجتماعية وسياسية واقتصادية أيضا عاجز عن تقديمها بصورة شفافة كما عاشها بالضبط .. ومن هنا نجحت عدة كتب تناولت الجانب السيروي في الإنسان منها علي سبيل المثال كتاب الاعترافات لروسو وكتاب الخبز الحافي لمحمد شكري وكتب جان جينيه خاصة كتاب يوميات لص .. ولو طرحنا سؤالا لماذا يكتب الإنسان سيرته الذاتية .. هل هو تماهٍ مع الزعماء والملوك والرؤساء والأمراء؟ أم أنه يظن أن حياته التي عاشها مهمة وتحتوي علي العديد من الدروس التي ينبغي أن يتعرف عليها الخلق القادم والحالي؟ .. أم أنها مسألة تعبير وإبداع ولم يبتعد المبدع بعيدا للتحطيب في الميتافيزيقا أو الأمكنة والذوات الأخري وفضل البدء منه أي من حياته .. وأنا أرجح الرأي الأخير .. فالمسألة مسألة اقتراب والتصاق ومن هذا الاقتراب والالتصاق يمكن للكاتب أن يحلق أو يبحر بعيدا فيستدعي ما يريد ويدخله إلي النص عبر بوابة ذاته.
النزف عند الغائب هو ثاني إصدار للصحفي والكاتب الليبي ناصر الدعيسي .. له من قبل كتاب بعنوان يوميات صحفي .. وكتاب النزف عند الغائب هو كتاب سيرة ذاتية منتقاة بعناية .. لم يحدده بزمن معين .. لكنه التقط من حياته بعض البؤر المضيئة التي أحب أن يبوح بها للقارئ بعد أن أرقت نفسه كثيرا .. يتجوّل الكتاب في ثلاث محطات من محطات حياة الكاتب .. محطة الكفرة حيث ولد .. محطة درنة حيث عاش وانطلق في الحياة .. محطة روما حيث درس واختلط بالآخر .. في هذا الكتاب نري دورة حياة انطلقت من الصحراء الليبية مدينة الكفرة وارتاحت في مدينة درنة الساحلية ومن ثم واصلت الرحلة إلي روما حيث رأت العالم واحتكت به أكثر وتماست وجربت قبوله للرأي الآخر والديمقراطية وغيرها من قيم الشمال.
الكتاب سيرة ذاتية بقلم مثقف ودبلوماسي يحسب لكل كلمة حساباً ويسير بحذر علي بساط الحروف متجنبا فخاخها وما تجلبه من احراجات .. حاول الكاتب كما في الحياة أن يمسك العصا من منتصفها وأن يحتفظ بعلاقة جيدة ومتينة مع جميع من يتعاطي معهم من بشر سواء في الأسرة أو العمل أو الحياة اليومية .. عبر هذا الكتاب تتضح صورة الكاتب المثقف المهتم بالرياضة والثقافة والسياسة والمتابع للحركة الثقافية العالمية .. سنجد في الكتاب إحالات عدّة إلي ارنست همنغواي وغسان كنفاني وبول ماركفتثن وفرانز فانون .. روجيه غارودي .. بالإضافة إلي أسماء سياسيين .. جون قرنق .. نوري السعيد .. عبدالكريم قاسم .. ألدومورو ..سنجد أيضا ورود أسماء مجاهدين وصوفيين .. عمر المختار .. حارسه التواتي .. الشيخ عبدالسلام الأسمر .. وأيضا لم ينس الكاتب أن يجعل للدبلوماسية حضورا قويا متمثلا في استدعاء عميد الدبلوماسيين العرب في روما الأستاذ أحمد عبدالهادي والذي يقول عنه أنه موسوعة في اللغة والثقافة العربية والإيطالية وأنه استفاد منه كثيرا.
لم يتناول كل ثلك الأسماء السابقة بصورة عابرة لكنه استأنس بحياتها ومواقفها ووظفها توظيفا ملائما لمصلحة فكرته ونصه.
يبدأ نزف الدعيسي بذكر سيرة جدّته الدرناوية العطرة والتي منحها اسم ياسمينة ونقش علي جبينها وشمة خضراء ليبية صنعها ألم الجرح والملح والماء والحياة .. صور هذه الجدّة في صورة امرأة تقوم بأعباء أسرية كبيرة وتساعد أسرتها وتعتني بزوجها المريض وتمنح النصائح والحنان والمودة للجميع .. لكن هذه الجدّة مثل الوردة التي تقطف من شجرتها مهما أغرقناها في الماء فهي ستتقيد بزمن قصير ثم تذبل وتموت ولا يبقي منها إلا عطرها في الذاكرة .. هذا إن وجدت ذاكرة لدي أحدنا ما زالت تتذكر العطر.
من درنة ينتقل إلي الكفرة عبر شخصيتي الرابطي التي تعود للكاتب وأيضا شخصية العابد .. وهناك في الكفرة تتفاعل الحوادث فتسرد لهما رمال الصحراء ملحمة الجهاد الليبي ضد المستعمر الإيطالي .. ويمتدح العهد الجديد بصورة غير مباشرة وذلك بتناوله للمشروع الزراعي الذي شيدته الثورة هناك من أجل إنتاج القمح والقصب والذرة وجندت له المهندسين الزراعيين العرب والليبيين .. في الكفرة حيث الصفاء الذهني التي تجلبه الصحراء سنجد الكاتب قد استوي جيدا علي مطية السرد وكتب كيف يقضي يومه هناك .. كيف يعمل في الصباح وكيف يستحم ويمارس هوايته في لعب كرة القدم التي يجيد مداعبتها ككل فتي درناوي نشأ علي استماع هدير الساقية وشم الفل والياسمين ونوار العشية والتطلع إلي القمر وزيارة الصحابة والتمتع بالخــضرة والفاكهة والشلال والوادي والجبل الذي يحتويها في قبضته ليقدمها للبحر قربان محبة.
في الكفرة استعرض الكاتب رؤي وأحلام الشباب ورغبتهم في السفر إلي الخارج من أجل الدراسة والاكتشاف وعبر الدورات والمنح التي تمد بها المشاريع الزراعية والنفطية مستخدميها يتحقق لهم ذلك فيسافرون إلي إيطاليا .. أرض مستعمرهم القديم .. وهناك ككل الليبيين يصخبون ويتفاعلون مع الآخر وهويتهم أمام أعينهم معتزين بها ومدافعين عنها ضد الاستلاب الرخيص الذي يقوم به الشمال للجنوب علي طول الزمن.
النزف عند الغائب كتاب لم يترك شيئا مهما في ذاكرة الكاتب إلا وذكره .. هو كتاب تعبوي يروّج لأفكار الكاتب وثوابته .. سنجد إدانة دائمة للدمار والدم وللاستعمار .. سنجد تمجيدا لجهاد الليبيين ضد المستعمر الإيطالي .. سنجد احتفاء بالصوفية التي تصعد بالروح إلي أعلي درجات الصفاء وذلك بذكر مشاهد مؤثرة لحياة أبيه الصوفي ما زالت راسخة في ذاكرته .. سنجد أيضا الوقوف في وجه الغرب وأفكاره ودحضها .. سنجد اعتزازا بالإسلام الحقيقي .. وإدانة للألغام والحروب التي زجت فيها ليبيا من دون أن تكون لها فيها ناقة ولا جمل .. كالحرب العالمية الثانية .. سنجد في الكتاب اعتزازا بالعادات والتقاليد الليبية وباللباس الليبي وبالخصوصية الليبية .. هذا الكتاب كتبه الكاتب لأن قلبه ينزف بحب الوطن الذي يراه الآن متعرضا للكثير من المتاعب التي جلبتها له السياسات الدولية التي هدفها الاستحواذ علي ثروة شعوب العالم الثالث ونهبها وتحويل هذه الشعوب إلي خدم أو نفيها وقتلها.
كتاب النزف عند الغائب دعوة للسلام والتصالح .. فيه يتحول الكاتب إلي كاتب اممي .. في إيطاليا يتعاطف مع الدوموروا الذي قتلته منظمة الألوية الحمراء المتطرفة .. كتاب يدين التطرف والغلو ويدعو إلي السلام .. لا اعتبر الكاتب في نزفه هذا قد اقترب من محمد شكري كما كتب في المقدمة .. لأنه كاتب متحفظ .. دبلوماسي .. حرفه لا يرميه عبثا .. يهمه الآخر .. فرد .. مؤسسة .. ذات .. ولا يرغب في أن يصطدم به .. سنجد تحويرا مثلا لمثل شعبي ليبي: اللي يشيل قربة تقطر علي ظهره .. لقد كتب الكاتب كلمة ظهره والصحيح هو أن يكتب الكلمة الأخري البذيئة ( ……. ).
لا أنكر أنني استفدت من كتاب النزف عند الغائب واستمتعت به حيث قرأته بصورة متواصلة لأنه يحتوي علي غذاء فكري وثقافي أضفي علي أمسيتي شيئا من البهجة .. ولأن كاتبه مثقف ملم بالأدب وهمومه وتجلياته .. وكذلك لكوني علي دراية بالجغرافية المكانية التي يتحرك داخلها الكاتب .. وعلي علم بالأسماء التي استعان بكتاباتها في كتابه ولقد تعمدت في هذه المقالة عدم إدراج أي مادة من كتاب النزف لأترك فرصة للقارئ كي يكتشف ويتذوّق ويتعاطي مع نزف ناصر بطريقته التي أحترمها جيدا .. فكل قارئ بالنسبة لي فنان ومكتشف وطبيب كبير قادر علي تضميد نزف ناصر المجروح لحظة قطع حبله السرّي والسائل من الكفرة إلي درنة ثم روما .. نزف يسيل ويحبو ويزحف ويطير علي براق يتألم باحثا عن جنته في كل مكان يبلله .. الكتاب رؤية متقدمة للألم حيثما كان وأينما وجد .. جمله تتغاضي عن الراحة البلاغية الوثيرة وتبحث عن الألم لتعرف سببه وتضمده ناسية نفسها وجراحها ونزفها المتهاطل .. لقد بدأ ناصر طفولته صيادا للسمك .. يضع له الطعم ويظفر به ليجلبه لأمه التي تنظفه وتغسله علي حاشية الساقية ومن ثم تطهوه مبهرا بتابل الحب ..
وقبل أن تصل رائحته لأنوف الجيران .. تستبقي لأسرتها وللضيف الطارق القليل منه والكثير منه توزعه عليهم بكرم .. وها هو ناصر يهدينا صيد ذاكرته هذا بعد أن نقحه وغسله وجففه ومسحه جيدا .. لقد أهـدانا بقعة ضوء كبيرة انتقاها لنا من حياته بنفسه .. قد نقبلها وقد نرفضها .. لكن هذه البقعة لم يقفلها .. لقد ترك لنا زر التحكم حر الحركة .. سنصغرها .. سنكبرها .. سنطفئها ونشعلها .. لقد ترك لنا جذوة النار التي من خلالها سنقرأه بطريقتنا .. وهذا هو الأدب المفتوح .. الذي يمنح القارئ مفتاحا خاصا يلجه في ثقب الحياة متي أراد ويتأمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























