ثقل الكلمة ودقتها

كتبهاناصر الدعيسي ، في 28 مايو 2008 الساعة: 16:05 م

«موعد» رواية كريستين أنغو

ثقـل كـل كلمـة ودقـتها

habash- اسكندر حبش
عن منشورات «فوليو»، صدرت مؤخرا رواية الكاتبة الفرنسية كريستين أنغو «موعد» وفيها تكمل رحلتها في سرد تفاصيل وأجزاء هذه الحياة «المتقلبة» المليئة بالتفاصيل والحكايات والمغامرات. هنا كلمة حول الكتاب.
تعود الكاتبة الفرنسية كريستين أنغو، في كتابها الأخير «موعد» إلى موضوعها المفضل، أي إلى «موضوع أنغو» (وفقا لعنوان إحدى رواياتها)، بمعنى آخر، تعود إلى هذه «الأنا» (ضمير المتكلم) متناسية الضمير الثالث (هو) التي كانت لجأت إليه وسبرت أغواره في كتابها السابق «المختلون».
من هنا، وكما في رواياتها الأخرى، تكمل الكاتبة، مشروعها في رواية حياتها، لنفسها كما للقراء. تستمر في تقديم هذه الذات على «مذبح الأدب» بما يحمل ذلك من مخاطر متنوعة. في أيّ حال كلّ هذه المخاطرة، لا بد أن تشكل عماد تيّار «التخييل الذاتي»، هذا التيّار الأدبي الذي يجد صدى واسعا منذ سنين في الرواية الفرنسية المعاصرة. المخاطرة هنا، تتمثل في قولها: «تجعلني الكتابة أفقد كل شيء حقا. هذا ما كان عليه الأمر منذ الأزل. أملت أن يكون الأمر مختلفا مع إيريك، بيد أنه لا يبدو لي كذلك».
لا يبدو ذلك على هذه الشاكلة، ربما لأن أنغو تجنح دائما إلى الذهاب إلى أقصى أقاصيصها، أكانت أقاصيص حب أم أقاصيص أدبية. تذهب إلى أقصى الحكاية، إلى أقصى الحقيقة التي «تبحث عنها»، متابعة بذلك هذه «التعرية الذاتية»: تعرية عواطفها وأحاسيسها وجسدها كما تعرية عواطف وأحاسيس وأجساد الآخرين. عبر كتابة تتبدى دائما كما كانت عليه: كتابة متفردة، مشدودة، موقعة (من إيقاع)، مسرحية، تلقائية. ومع ذلك، نجد كتابتها هنا وكأنها هدأت قليلا، أي أقل عذابا على الرغم من هذا التوتر الذي يغلفها في المحصلة النهائية. كتابة فيزيائية، حيث تشدّ فيها القول من اجل البحث عن ثقل كل كلمة، كي تجد هذه الكلمة الصائبة التي تبحث عنها في مخيلتها التي تعتقد أنها تشير إلى دقة ما تريد كي تصبح مفهومة من قبلها كما من قبل قرائها، كي لا تبخس ثمنها في نهاية الأمر ولكي تكون اقرب على الحقيقة، بطبيعة الحال.
ماذا تخفي الكلمات
مع روايتها هذه، تقص علينا أنغو، حكايتها وعلاقتها مع ممثل يدعى إيريك استينوزا. وكما غالبية قصص الحب والعلاقات، ما من شيء سهل في ذلك، إذ لا تنجح الراوية في تحديد مكانتها بالنسبة إلى هذا الشخص الذي تحبه: هل أنهما «يقفان في المكان عينه»؟ هل «ثمة علاقة عشق» بينهما أم لا؟ ماذا تخفي الكلمات التي يقولها لها؟ كيف تفسرها، كيف تفهمها؟ أضف إلى ذلك كله، أن الكتابة تبدو على المحك في علاقتهما، قياسا إلى هذا «الهامش» الذي يدعيان إلى الكلام فيه في فضاء ذلك المسرح، بمدينة تولوز، حيث كان عليها أن تقرأ نصا، فتختار واحدا يتحدث عن بداية علاقتهما، عن بداية هذه المغامرة، أي تختار أن تعرض، علنا، هذه الصعوبات التي يتعرضان لها، التي يتلمسانها… أي بمعنى آخر تعرض صورة الكتاب، بدايته، الصعوبات التي تعترضها في كتابته، أي يصبح الكتاب صورة عن مسرح الحياة التي تعيشها.
بيد أن الأمور، لا تتوقف عند هذه اللحظة، إذ ثمة الكثير من الاستعادات التي نعود لنجدها في روايتها هذه. استعادات لا بدّ أن يلتقطها قارئ أنغو بسرعة: المصرفي الذي يقع في غرام الراوية في بداية الرواية، الأب وعلاقته المحرمة بها، الأم، الزوج السابق، العشيق السابق، ليونور ابنتها، الأصدقاء، المحلل النفسي، كل هؤلاء يعودون ويحضرون في الكتاب الحالي ليؤرقوا صفحاته، إذ أن «الأنا» لا تكون وحدها أبدا بل تجلب معها كل المقربين، تجلب كل الذين التقينا بهم في «المحرم» (1999)، في «مغادرة المدينة» (2000)، في «لمَ البرازيل» (2002) والذين سنلتقيهم بدون شك في مغامرات لاحقة، إذا ما تابعت الكاتبة سرد هذه المغامرات، مغامراتها، حياتها، الأدبية قبل أي شيء آخر. إذ أن الكتابة بالنسبة إلى أنغو هي الحياة قبل أي شيء آخر. وهنا يكمن كل شيء، بالأحرى علينا أن نفهم من ذلك كل شيء.
ومن هذا الفهم، تدور الرواية في نوع من حلقة، حيث يختلط الحاضر بالماضي. حيث تأتي الأشباح والكوابيس لتحرك هذا الفراغ، بالأحرى لتسكنه. من هنا اللجوء إلى الكلمات، إلى هذا الفعل الحي، الذي يبدو حاضرا أكثر من غيره.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر